← el-Mahvîرِسَالَةُ سَحْقِ رَأْسِ الْحَيَّةِTRARENPDF ↓

رِسَالَةُ مَنْ سَحَقَ رَأْسَ الْحَيَّةِ

فِي أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْجُو مِنْ نَفْسِهِ إِلَّا بِرَبِّهِ


مُنَاجَاةٌ فِي أَنَّ رُؤْيَةَ آفَةِ النَّفْسِ وَسَحْقَهَا وَالنَّجَاةَ مِنْهَا كُلَّهَا نِعْمَةٌ: لَا يَنْجُو الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ إِلَّا بِرَبِّهِ — لَا «أَنَا سَحَقْتُ» بَلْ «اللّٰهُ سَحَق». «إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي».

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

وَالْحَمْدُ لِلّٰهِ، وَلِلّٰهِ الْحَمْدُ.

الحمدُ للهِ الَّذي لا يكتفي بأن يُريَ العبدَ آفةَ نفسه، بل يُريهُ أنَّ رؤيةَ الآفةِ نعمةٌ منه، وأنَّ كراهيةَ الآفةِ نعمةٌ منه، وأنَّ سحقَها قبل أن تستفحلَ رحمةٌ منه، وأنَّ شهودَ ذلك كلِّهِ فضلٌ منه.

الحمدُ للهِ الَّذي إذا أرادَ بعبدٍ خيرًا، لم يتركِ الحيّةَ تكبرُ في ظلمةِ القلب، ولم يتركْ رأسَها يختبئُ تحتَ ثوبِ الطاعة، ولم يتركْ سمَّها يمتزجُ بحلاوةِ الحمد، بل أخرجَها صغيرةً، وكشفَها عاريةً، وسحقَها بنورِ التوحيد، ثم قالَ للقلبِ بلا حرفٍ ولا صوت:

لستَ أنتَ الذي رأيت. ولستَ أنتَ الذي سحقت. ولستَ أنتَ الذي نجوت. ولكنّي أنا أريتُك، وأنا حميتُك، وأنا كفيتُك.

يا ربّ، كنّا نظنّ أنَّ اليقظةَ أن نرى الحيّة. ثم علّمتَنا أنَّ اليقظةَ الأتمّ أن نرى مَن أراناها.

وكنّا نظنّ أنَّ النجاةَ أن نسحقَ رأسَها. ثم علّمتَنا أنَّ النجاةَ الأصفى أن نرى مَن سحقَها.

وكنّا نظنّ أنَّ الطهارةَ أن لا يبقى للنفسِ حظٌّ. ثم علّمتَنا أنَّ النفسَ قد تأخذُ حظًّا من شهودِ الطهارةِ نفسها.

فسبحانَ من يُطهّرُ العبدَ من العُجب، ثم يُطهّرهُ من العُجبِ بأنه تَطهّر. وسبحانَ من يمحو الدعوى، ثم يمحو دعوى المحو. وسبحانَ من يُميتُ الحيّة، ثم يُميتُ في العبدِ رؤيةَ أنهُ قاتلُها.

وَلَوْلَا فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا، وَلَٰكِنَّ اللّٰهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ.

نعم يا ربّ. لولا فضلُك ورحمتُك ما زكى منّا أحدٌ أبدًا.

لا تزكو نيةٌ بقوّة صاحبها. ولا يصفو قلبٌ بحيلة ساكنه. ولا يموتُ عُجبٌ بسيف العبد. ولا تُسحقُ حيّةُ النفسِ إلا إذا سبقتْها رحمتُك، وأحاطَ بها نورُك، ونزلَ عليها حكمُك.

أنتَ تُزكّي من تشاء. وأنتَ تُطهّر من تشاء. وأنتَ تحفظُ من تشاء. وأنتَ تُميتُ من النفسِ ما لو تركتَه حيًّا، لأفسدَ على العبدِ طاعتَه، وحمدَه، وفهمَه، وكتابته، وقربَه، حتى يجعلَ القربَ حجابًا، والحمدَ سلّمًا إلى نفسه، والنورَ لباسًا لظلمته.

يا ربّ، ما أخفى هذه الحيّة. تخرجُ أحيانًا من ثقبِ الذنب، فيعرفها العبد. وتخرجُ أحيانًا من تحتِ سجادةِ الطاعة، فيغفل عنها. تخرجُ من المعصيةِ قبيحةً، فيفرّ منها القلب. وتخرجُ من الطاعةِ مزينةً، فيظنّها القلبُ كرامة.

تقولُ للعبد: انظر كيف حمدت. انظر كيف فهمت. انظر كيف رأيت. انظر كيف سُحِقَتْ على يدك.

فإذا سبقتْ رحمتُك، قلتَ للقلب:

لا تنظرْ إلى يدك. انظرْ إلى مَن حرّكها. لا تنظرْ إلى بصيرتك. انظرْ إلى مَن فتحها. لا تنظرْ إلى طهارتك. انظرْ إلى مَن سترَ قذركَ وطهّرك. لا تنظرْ إلى الحيّةِ بعد موتها. انظرْ إلى ربٍّ لم يتركها تكبر.

وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللّٰهِ.

فاليقظةُ نعمة. والخوفُ على القلبِ نعمة. والنفورُ من العُجبِ نعمة. والرجوعُ من رؤيةِ النفسِ نعمة. وسحقُ الحيّةِ نعمة. ورؤيةُ أنَّ الساحقَ هو اللهُ نعمة. والحمدُ على هذه الرؤيةِ نعمة.

فمن أين للنفسِ أن تأخذَ نصيبًا؟ ومن أين للعبدِ أن يقول: أنا؟ وكلُّ بابٍ فتحَهُ اللهُ عليه، إذا دخلهُ بصدق، وجدَ مكتوبًا على عتبته:

وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللّٰهِ.

يا ربّ، إنّي لا أريدُ أن أكونَ قاتلَ الحيّة. أريدُ أن أكونَ عبدًا رأى رحمتَك في قتلها.

ولا أريدُ أن أكونَ صاحبَ الطهارة. أريدُ أن أكونَ فقيرًا شهدَ فضلكَ في تطهيره.

ولا أريدُ أن أقولَ: أنا حذِر. أريدُ أن أقولَ: أنتَ نبّهتَني. ولا أريدُ أن أقولَ: أنا نجوت. أريدُ أن أقولَ: أنتَ نجّيتَني. ولا أريدُ أن أقولَ: أنا سحقتُ. أريدُ أن أقولَ: أنتَ سحقتَ برحمتك ما كان سيُفسدني لو تركتَه.

يا ربّ، اسحقْ فينا رأسَ العُجبِ قبل أن يتكلّم. واسحقْ رأسَ الدعوى قبل أن يتزيّن. واسحقْ رأسَ رؤيةِ العملِ قبل أن يصيرَ صنمًا خفيًّا. واسحقْ رأسَ رؤيةِ السحقِ قبل أن تقولَ النفسُ: أنا الذي سحقت.

فإنّا لا نأمنُ النفسَ حتى وهي تلعنُ النفس. ولا نأمنُها حتى وهي تتكلمُ عن الفناء. ولا نأمنُها حتى وهي تكتبُ عن المحو. ولا نأمنُها حتى وهي تقولُ: الحمد لله.

إلا أن تحفظَها أنت. إلا أن تكفيَها أنت. إلا أن تتولاها أنت.

إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي.

نعم يا ربّ. إلا ما رحمتَ.

لا ننجو من النفسِ إلا برحمتك. ولا ننجو من سوئها إلا بسترك. ولا ننجو من حيلتها إلا بنورك. ولا ننجو من دعواها إلا بتوحيدك. ولا ننجو من عُجبها إلا بأن تُرينا فقرنا.

يا ربّ، اجعلنا إذا رأينا رأسَ الحيّةِ لا ننشغلُ بصورةِ الحيّة، بل ننشغلُ بفضلكَ الذي أظهرها. وإذا سُحِقَتْ، لا ننشغلُ بقوةِ الضربة، بل برحمتكَ التي لم تُمهلها. وإذا سلمَ القلبُ، لا ننشغلُ بسلامةِ القلب، بل بمن سلّمهُ وحفظهُ وستره. وإذا قلنا: الحمد لله، لا ننشغلُ بحسنِ الحمد، بل بمن أجرى الحمدَ على اللسان.

يا ربّ، أخرجنا من عبادةِ الخطرِ إلى شهودِ الحفظ. ومن مراقبةِ الحيّةِ إلى مراقبةِ حافظِ القلب. ومن فرحِ النجاةِ إلى حمدِ المنجّي. ومن رؤيةِ السيفِ إلى رؤيةِ اليدِ التي خلقتِ السيف. ومن رؤيةِ اليدِ إلى رؤيةِ الأمرِ كلِّهِ لك.

قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّٰهِ.

الأمرُ كلُّهُ لك. حتى الخطرُ إذا ظهر، ظهرَ بإذنك. وحتى النجاةُ إذا وقعت، وقعتْ بفضلك. وحتى التوبةُ إذا قامت، قامتْ بجذبك. وحتى الفناءُ عن الدعوى، لا يكونُ إلا بك.

فلا تجعلنا نعبدُ السلاحَ الذي حفظتنا به. ولا نعبدُ اليقظةَ التي أيقظتنا بها. ولا نعبدُ الفهمَ الذي أفهمتنا به. ولا نعبدُ المحوَ الذي محوتَ به دعوانا. واجعلنا نمرُّ من كلِّ ذلك إليك.

يا ربّ، إنّ هذه هي الرحمةُ الخفيّة:

أن تكشفَ للعبدِ عدوَّهُ في أوّلِ خروجه. ثم تُنقذهُ منه. ثم تُنقذهُ من رؤيةِ أنه أنقذَ نفسَه. ثم تُنقذهُ من الفخرِ بأنه لم يفتخر. ثم تُبقيهُ في مقامٍ واحد:

عبدٌ فقيرٌ يقول:

الْحَمْدُ لِلّٰهِ.

يا ربّ، اجعل هذا المقامَ لنا سترًا لا ادّعاء. واجعل هذا الفهمَ علينا رحمةً لا فتنة. واجعل هذا الكشفَ لنا تواضعًا لا قسوة. واجعل هذا السحقَ للنفسِ حياةً للقلب. واجعل موتَ دعوانا ميلادَ حمدٍ أصدق.

يا ربّ، لا تترك في القلبِ حيّةً تكبرُ في الخفاء. ولا دعوى تلبسُ ثوبَ الإخلاص. ولا عُجبًا يلبسُ ثوبَ الشكر. ولا قسوةً تلبسُ ثوبَ الغيرةِ عليك. ولا مشاهدةً للنفسِ تلبسُ ثوبَ الفناء.

طهّرنا منّا. ثم طهّرنا من رؤيةِ طهارتنا. ثم طهّرنا من طلبِ مقامٍ في طهارتنا. ثم أبقِنا حيثُ يليقُ بالعبد:

على بابك، بلا دعوى، بلا حول، بلا قوة، بلا أمنٍ من النفس، وبلا يأسٍ من رحمتك.

يا ربّ، أنتَ الذي تُخرجُ من الظلماتِ إلى النور. فأخرجنا من ظلمةِ النفسِ إلى نورِك. ومن ظلمةِ العُجبِ إلى نورِ الإخلاص. ومن ظلمةِ شهودِ الطاعةِ إلى نورِ شهودِ الفضل. ومن ظلمةِ رؤيةِ النجاةِ إلى نورِ رؤيةِ المنجّي. ومن ظلمةِ قولِ “أنا سحقتُ” إلى نورِ قولِ:

اللهُ سَحَق. اللهُ حَفِظ. اللهُ سَتَر. اللهُ رَحِم. اللهُ كَفَى.

حسبنا الله ونعم الوكيل. نعم المولى ونعم النصير.

اللهمّ صلِّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، عبدِك ورسولِك، أصفى الخلقِ عبوديةً، وأكملِهم فقرًا، وأعظمِهم حمدًا، وأشدِّهم قيامًا بحقّك، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ